دعي الحقيقة تلسعك
هناك من يمنح الدفء، من يهبك حضناً تتكئ عليه حين تتعب الحياة منك، من يحتضنك كما لو كنتِ قصيدة تُتلى على مسامع العاشقين. وهناك من يحميك، يحيطك بأسواره العالية ليقيك عواصف الخذلان، ليمنحك إحساسًا زائفًا بالأمان، ثم هناك فئة أخرى، فئة لا تملك أن تعطيك سوى شيء واحد فقط، شيء حاد، جارح، ثقيل الوطأة… الحقيقة
الحقيقة كائن جامح، لا يستأذن قبل أن يقتحم مساحتك، كريحٍ باردة تتسلل من شقوق نافذتك الموصدة، كوميض برقٍ يسبق صوت العاصفة. تحلّق فوق رؤوسنا كطائرٍ صبور، تنتظر لحظة ضعفٍ واحدة كي تهوي علينا بكل قسوتها. نظن أننا نريدها، نقنع أنفسنا أننا مستعدون لمواجهتها، لكننا حين نسمعها… نرتجف. لأن الحقيقة ليست مجرد كلمات مرصوفة، بل سيف مسلول، يقطع صمتنا نصفين دون أن يمنحنا فرصة للهرب
كم مرة رأيتُ الحقيقة تغيّر الناس؟ كيف تشدّ وجوههم، تجمّد أنفاسهم، توتّر أصابعهم في محاولة أخيرة للتمسك باللاشيء؟ كم مرة لاحظتُ كيف تُطفئ أعينهم بريق الأمل، كيف تسرق منهم القدرة على التصديق؟ الحقيقة لصّة ماهرة، تتسلل إلينا، تسلبنا لذة الوهم، وتتركنا عراة أمام واقع لا يرحم. كم مرة سمعت الحقيقة تتساقط بين الكلمات كما يتساقط المطر فوق مدينة نائمة، توقظ الأرصفة المبتلة، تغسل الشوارع من ظلالٍ عالقة، تهدم ما شُيد على الرمال المتحركة للأكاذيب؟
لكن الوهم، في نهاية الأمر، ليس إلا استراحة مؤقتة من وجع اليقين
نحن ندّعي أن الجهل نعمة، أن تجنب الحقيقة هو نوعٌ من النجاة. لكننا، في أعماقنا، نعرفها دائماً. نشعر بها تتسلل إلينا، تختبئ في زوايا الصمت، تهمس في لحظات الوحدة، تتربص بنا حتى نعجز عن إنكارها. الحقيقة لا تُدفن، لا تُمحى، بل تنتظر بصبر قاتل حتى نسقط بين يديها مستسلمين، منهكين، بلا قدرة على المقاومة. الحقيقة كحبٍ خذلناه، كرسالة لم نرسلها، كعينين تراقباننا من بعيد، تعرفان كل شيء، تصمتان رغم صخب العالم
لا توجد طريقة مثالية لقول الحقيقة. لا مخارج طوارئ، لا وسائد تخفف سقوطها. ومع ذلك، نقولها. لأننا مدينون بها. نقولها لأننا نحتاج إلى سماعها بأصواتنا، لنتأكد من أنها موجودة، لنقيس قدرتنا على تحمّلها. وأحياناً، نقولها لأننا لا نستطيع كتمانها. وأحيانًا، نقولها لأننا نخشى أن تختنق داخلنا، أن تبتلعنا إن تركناها بلا صوت
الحقيقة قاسية. مؤلمة حدّ النزف. لا أحد يريد سماعها حين تكون قريبة بما يكفي لتمزيقه. لكنها ليست هنا لتكون لطيفة. ليست هنا لتربّت على أكتافنا. الحقيقة هنا كي توقظنا. كي تصفعنا. كي تخترقنا بقسوتها، تترك أثرها على جلد الروح، تذكّرنا أننا لم نكن إلا عابرين في حكاية نسيجها الواقع
لأن اللسعة… هي الدليل الوحيد على أننا ما زلنا على قيد الحياة، أننا قادرون على الشعور، على النزف، على النهوض من تحت الركام، والمضيّ قُدمًا نحو فصلٍ جديد لا يكذب علينا كما فعلت الفصول السابقة